الملا فتح الله الكاشاني
109
زبدة التفاسير
روي أنّ اليهود قالوا : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها ، فحكى اللَّه تعالى عنهم بقوله : * ( وإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِه مِنْ عِنْدِ اللَّه وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِه مِنْ عِنْدِكَ ) * كما تقع الحسنة والسيّئة على الطاعة والمعصية ، تقعان على النعمة والبليّة ، قال اللَّه تعالى : * ( وبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * « 1 » . وهما المراد في الآية . والمعنى : إن تصبهم نعمة - كخصب - نسبها اليهود إلى اللَّه ، وإن تصبهم بليّة - كقحط - نسبوها إليك ، وقالوا : هي من عندك وبشؤمك ، كما حكى عن قوم موسى : * ( وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَنْ مَعَه ) * « 2 » . وعن قوم صالح : * ( اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَنْ مَعَكَ ) * « 3 » . فردّ اللَّه تعالى عليهم بقوله : * ( قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * يبسطها ويقبضها حسب إرادته ، ليبتلي بذلك عباده ليعرضهم لثوابه ، بالشكر عند العطيّة والصبر على البليّة . * ( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) * يوعظون به ، وهو القرآن ، فإنّهم لو فهموه وتدبّروا معانيه لعلموا أنّ اللَّه هو الباسط القابض ، وأفعاله كلَّها صادرة عن حكمة وصواب . أو لا يفقهون حديثا مّا ، كبهائم لا أفهام لها . أو لا يفقهون أمرا حادثا من صروف الزمان فيتفكّروا فيها ، فيعلموا أنّ القابض والباسط هو اللَّه . وقيل : هؤلاء هم المنافقون ، مثل عبد اللَّه بن أبيّ وأصحابه الَّذين تخلَّفوا عن القتال يوم أحد ، وقالوا للَّذين قتلوا في الجهاد : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا . فعلى هذا معناه : إن يصبهم ظفر وغنيمة قالوا : هذا من عند اللَّه ، وإن يصبهم مكروه وهزيمة قالوا : هذا من عندك وبسوء تدبيرك .
--> ( 1 ) الأعراف : 168 . ( 2 ) الأعراف : 131 . ( 3 ) النمل : 47 .